الخميس، 19 يناير 2017





لماذا تفوقت كوريا الجنوبية و لم تتطور مصر؟؟ التعليم هو مفتاح التقدم وهو أيضا سبب التخلف!.


شهدت خلال فترة عملي كعضو منتدب للتسويق بمؤسسة البترول الكويتية إقتصاد كوريا الجنوبية ينمو بشكل متطرد، بينما إقتصاد مصر ينمو بمعدلات متواضعة ( و نفس الشيء ينطبق على سوريا و اﻻردن).
طبعا مصر و أخواتها أقرب إلى قلبي. سئلت من عاصر هذه النهضة في كوريا، و لم أجد الإجابة الشافية.
** و يبقى التساؤل الحائر لما تطورت كوريا و لم تتطور مصر؟






في خريف 1979. حطت طائرتنا بمطار سيؤل ليلا . كان الليل الكاحل قد غطى المدينة. مدينة ظلماء بسبب حربهم مع كوريا الشمالية. فتح باب الطائرة و لفحتنا الرياح الباردة. ﻻ أدري هل أنعشتنا أم زادت حالتنا سوءا؟ رحلة بدأت بالكويت و إستمرت 24 ساعة. كنا وفدا من الزملاء خالد صالح بوحمرا و هاني عبدالعزيز حسين. أرسلنا من قبل وزير النفط حينذاك الشيخ علي الخليفة الصباح. مهمتنا دراسة الجدوى اﻻقتصادية لشراء مصفاة في تلك البلاد. استقبلنا الوكيل المساعد لوزارة الصناعة هناك، الدكتور لي بونغ سوه. و في قاعة كبار الزوار أخذ الدكتور لي يتكلم عن النهضة اﻻقتصادية ببلاده. التفت إلي الأخ خالد و قال ” بوسالم قوله نحن نريد الذهاب إلى اﻷوتيل و الكلام غدا”. شرحت لمضيفنا عناء سفرنا و حاجتنا الملحة للنوم، و غدا سوف نكون بحالة تمكنا من الحوار معهم. في اليوم التالي ونحن متجهين إلى وزارة الصناعة أخذت انظر إلى الناس بالطريق وإلى سياراتهم. كان لبسهم بسيط و سياراتهم أقل من متواضعة. و عندما وصلنا إلى الوزارة كان باستقبالنا الدكتور لي. و بعد زيارة مجاملة لوكيل الوزارة الذي يبدو بأنه حصل على منصبه بالواسطة، حيث كان جاهلا بأمور النفط فلقد كان يحكمهم ديكتاتور اسمه الجنرال بارك جانغ هي، إنتقلنا إلى غرفة اﻻجتماعات. خلال الإجتماع بدأ الفريق الكوري بشرح أسس نهضتهم اﻻقتصادية. و بعد ذلك انتقلوا لشرح حاجتهم للطاقة النفطية للسنين القادمة. طبعا هذا الموضوع يهمنا حيث انه يقرر مصير المصفاة. و أخذ كل منا يسجل ملاحظاته و خاصة اﻻخ خالد الذي كان و كأنه تلميذ بمحاضرة، حتى أني كدت أضحك عليه. مدير أهم مصفاة بالكويت رجع إلى مقاعد الدراسة. و بعد ساعة و نصف التفت إلي اﻻخ هاني و قال هذه الأرقام ﻻ تصدق!! هناك مبالغات كبيرة بها!! فأقترح اﻻخ خالد أن نحتفظ برأينا لأنفسنا حتى نرى المصفاة. طلبت من الدكتور لي أن نرى المصفاة فأبتسم ابتسامة غامضة. أثناء فترة الغداء كررت طلبي له. فقال بأنهم يواجهون مشكلة للذهاب إلى المصفاة. فالمصفاة تبعد ستة ساعات بالسيارة و مشكلتهم أنه ﻻ توجد في كوريا إﻻ سيارتين Town Car من إنتاج شركة فورد واحدة منها فقط للإيجار. و هم اﻻن يحاولون أن يستأجروها لنا! الصراحة ذهلت! ما هذا البلد الفقير!! إذا كانت سياراتهم بهذا المستوى فإذا من سوف يشتري البنزين الذي ستنتجه المصفاة؟ هذا دليل قاطع بأن توقعاتهم خاطئة!! خلال الرحلة إلى المصفاة التي أقل ما يقال عنها بأنها مصفاة بسيطة صغيرة، أخذت أجمع المعلومات عن الدكتور لي. فإذا به من عائلة غنية و حاصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد بأمريكا في اقتصاديات الدول المصدرة، Mercantile Economy. و في اﻻجتماع الخاتم لزيارتنا واجهت الدكتور لي بتساؤلنا. و بينت له بأننا ﻻ نصدق توقعاتهم. فأبتسم و قال ” توقعاتنا الخاصة أكثر بكثير مما أعطيناكم إياه، فلقد أعطيناكم توقعات البنك الدولي”. طبعا هذا الكلام ﻻ يمشي علي. فابتسمت و ودعته. رجعنا إلى الكويت و قابلنا الشيخ علي خليفة العذبي الصباح. و شرح له الزملاء المهندسين وضع المصفاة. و أختتمت المقابلة مبينا له بأن وكيل وزارتهم أتى بالواسطة وان البلد فقير، أفقر من مصر أو سوريا أو اﻻردن. موصيا بأن نغض النظر عن هذا المشروع. توصية قبل بها وزيرنا ولكن أقترح أن نعقد عقد تزويد نفط لهذا المصفاة. و خلال الفترة من 1978 إلى 1985 كنت أراقب نمو كميات هذا العقد. نمو غير طبيعي.
فقررت أن أسافر إلى كوريا لأرى بعيني حقيقة هذا النمو. و رتب اﻷخ حسين الشماع، المسؤول عن المبيعات لهم هذه السفره.
ذهلت لما رأيته بتلك البلاد. السيارات الفارهة تمليء الشوارع. الجسور كثيرة و متشابكة. ناطحات السماء تعانق السماء. كم كنت غلطانا عندما لم أصدق تنبؤاتهم اﻻقتصادية.
فطلبت مقابلة الدكتور لي، الذي كان قد تقاعد و أخذ يدير شركة تأمين يملكها أباه. سألته كيف تمكنتم من هذا التطور الهائل الذي يفوق تطور البلاد العربية بكثير؟!؟!
أبتسم و لم يجيبني.
إنزعجت و قلت له :

**** مقارنة بين مصر وكوريا الجنوبية فى الحقبة من 1960 حتى اليوم،

“إن كان يحكم مصر ديكتاتور فأنتم كان يحكمكم ديكتاتور!
مصر تنخرها المحسوبية كما كانت تنخركم!
مصر بحرب مع إسرائيل و انتم بحرب مع كوريا الشمالية!
* مقارنة بين مصر وكوريا الجنوبية فى الحقبة من 1960 حتى اليوم، من حيث التطور والتقدم.
والمقارنة موضوعية ومنطقية، فكما ذكر الأستاذ صلاح:-
"من المفارقات أن كوريا ومصر كانا يقفان فى عام 1960 على خط واحد تقريباً.
كان عدد السكان فى كل منهما 25 مليون، ومتوسط الناتج القومى للفرد200 دولار تقريباً.
مساحة مصر مليون كم مربع أما مساحة كوريا فحوالي 100 ألف كيلومتر مربع فقط،
وكلا البلدين واجه نفس الظروف والمشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مثل خوض الحروب والأمية..الخ.
وإن كان موقف مصر اقتصادياً أفضل حالاً.
فى الحقيقة كلام الأستاذ الكبير جعلنى أشعر بالحسرة وأصابنى بالغم والهم والاكتئاب والدعاء بالمغفرة لمن كانوا السبب، فالفارق اليوم شاسع بيننا وبينهم، فالأولى تقفز بخطى واسعة وسريعة نحو التقدم وملاحقة دول العالم الأول المتقدم، بينما ننحدر نحن بسرعة هائلة على كافة الأصعدة والمستويات.
وعودة لما كتب بالمقال: "فالناتج القومى للفرد اليوم بكوريا 17800دولار فى العام بينما فى المحروسة 1915دولار،
كما نعلم جميعاً مدى التفوق والتميز الذى حققته كوريا الجنوبية فى الصناعة بأنواعها، ويكفى أنه لا يخلو منزل فى مصر لا يوجد به شىء مكتوب عليه صنع فى كوريا،
كما وأن شوارعنا مكدسة بأعلام كوريا! بينما مصر عليها 34مليار دولار فإن لكوريا 62مليار استثمارات فى الخارج".
ليس عيباً أن يحدث نوع من التراجع أو النكسة لشعب من الشعوب فقد حدث لكثير من قبلنا، وإن حدث يجب أن يكون لفترة من الزمن مثل ما حدث لليابان وكوريا ، لكن العيب والعار هو الاستسلام. وبينما بحث الآخرون ونجحوا نستمر نحن فى التراجع.
بربك ما سر هذا النجاح اﻻقتصادي؟!

ويشير الأستاذ صلاح منتصر المنشغل بنهضة كوريا المدنية إلى أن من أهم أسباب نهضتهم اهتمامهم بالتعليم، حتى أنه لم يعد لديهم أمية على الإطلاق.


*** لماذا تفوقت كوريا الجنوبية ؟؟؟؟ التعليم هو مفتاح التقدم وهو أيضا سبب التخلف !!!.

كان من تلاميذي بالفصل في الجامعة الأمريكية عام 1978 حين كنت أقوم بتدريس الاقتصاد باللغة العربية للأجانب وهو طالب من كوريا الجنوبية تبدو عليه أمارات الذكاء والنضوج والمستقبل. أي باختصار طالب واعد مجتهد بشكل غير عادي له طموح كبير ومستقبل أكبر ينتظره, هذا الطالب اسمه هان كيودوك وحصل في نهاية الفصل الدراسي علي درجة الامتياز كان يجيد اللغة العربية بشكل مثير كما أنه كان يكتب فيما يسند إليه من واجبات وتقارير وملخصات علي نحو يكاد يكون قد استخدم مطبعة في كتابتها. سألت ذلك الشاب الطالب عن الفرق بين الكوريتين فأخذ قطعة طباشير ورسم مستطيلا علي السبورة قسمه نصفين, الأعلي هو الشمالية, حيث كل الثروة والارض والامكانيات والجزء السفلي هو كوريا الجنوبية, حيث لا تمتلك الا الانسان ومن هنا أدركت أهمية التنمية البشرية والاستثمار في البشر بالتعليم والتدريب. وطلب مني الشاب الطالب الواعد مساعدته في تسجيل رسالة دكتوراه في الاقتصاد بجامعة القاهرة واتصلت بأستاذنا العظيم العميد المؤسس لكلية الاقتصاد الدكتور محمد زكي شافعي رحمه الله والذي كان لايقبل طالبا في الدراسات العليا الا بعد ان يعصره علميا حتي يتأكد من مقدرته وكفاءته وكان يقول لنا: ياولاد الدكتوراه دي زي خاتم الالماظ.. مش أي حد يلبسه. وتحدثت معه بشأن الطالب الكوري وكفاءته وطلب مقابلته واجري إختبارا له وقبله طالبا للدكتوراه ومشرفا عليه في رسالة عنوانها: دراسة مقارنة عن التنمية الصناعية في كوريا الجنوبية ومصر بين عامي1952 ـ1975 وقد خلص في هذه الرسالة إلي ان الاقتصاد المصري في تلك الفترة يساوي عشرين مرة الاقتصاد الكوري الجنوبي.. أي انه متقدم عن كوريا الجنوبية.فما الذي حدث لنا؟ وما الذي حدث لنظامنا التعليمي الذي يعج بالحديث عنه وعن أزمة التعليم ووسائل العلاج, وامتلأت الكتب والمذكرات والبحوث والدراسات بالاهتمام بقضية التعليم ومؤتمراتها دون جدوي؟ ما الذي حدث حتي أن تفوق مصر تحول الي تخلف عن كوريا الجنوبية التي كنا نسبقها؟.. الاجابة باختصار هي التعليم والتدريب حيث عمدت كوريا الجنوبية إلي نظام تعليمي صارم غربي وتدريب, الفرد علي خمسة حرف معا, وبإجادة وليس طسلقة, والعمل داخل منظومة ادارية صارمة حازمة تشبه النظم المعمول بها في الجيوش وهذا هو مفتاح تقدم كوريا الجنوبية. تعالوا نبحث ونفتش معا عن أسرار العملية التعليمية في كوريا الجنوبية وهي سر تقدمها وتقدم كل دول جنوب شرق آسيا, ومعي بحث متميز كتبه الدكتور يوسف عبد الفتاح الاستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة الذي قضي بضع سنوات هناك للتدريس في جامعة هانكوك حيث تصنف كوريا الجنوبية العاشرة بين أغني دول العالم, بعد أن صنفت كواحدة من أفقر ثلاث دول في آسيا في منتصف القرن الماضي, فكوريا ذات الموارد الطبيعية القليلة, والكثافة السكانية العالية, نظرت الي التعليم علي انه المفتاح الوحيد للنجاح في الحاضر والمستقبل, واستثمرت في الموارد البشرية باعتبارها أهم عنصر من عناصر الاستثمار, وقد حققت بفضل هذه الرؤية الاستراتيجية العميقة نجاحا هائلا, وأدرك المجتمع الكوري أهمية التعليم باعتباره الوسيلة الأفضل لتحقيق الطموح والارتقاء الاجتماعي, ويشارك في العملية التعليمية ثلث السكان, والتعليم هو المؤسسة الأولي. وقد لاحظ أن التعليم مسئولية الجميع لا تنفرد به المدرسة أو الكلية أو الجامعة وحدها وإنما, الكل مشارك فيه باعتباره واجبا وطنيا وتشارك المؤسسات العامة والشركات الخاصة والقطاعات الاعلامية في تحمل هذه المسئولية, وهناك وزارة واحدة للتعليم العام والجامعي تسمي وزارة التربية وتنمية الموارد البشرية التي تربط التعليم بالاستثمار في الانسان وسوق العمل وفق جودة في البيئة التعليمية والبني التحتية وهناك برنامج تدريبي خاص للمعلمين أثناء الاجازات واختبار للمعلم قبل التدريس وفي العطلات تفتح المدارس للأنشطة الاضافية مثل الرياضة والموسيقي ولكل مؤسسة تعليمية شعار ولكل مدرسة شعار ولكل فصل شعار وتعمل جاهدة علي تحقيقه ولكل طالب ابتداء من الصف الثاني الابتدائي حصة رسمية للنقاش والحوار ويهتم الكوريون باللغة الانجليزية كثيرا ويبدأ اليوم المدرسي في الثامنة والنصف صباحا وحتي الرابعة أو الخامسة ويتولي الطلاب مسئولية نظافة المدرسة عدا الحمامات التي تتولاها شركات متخصصة, وفي الثانوي هناك مدارس ثانوية متخصصة للطلاب الموهوبين حيث توجد ثانويات اللغات الأجنبية وثانويات الفنون وثانويات العلوم. وأمام كل هذه الانجازات تخطيط دقيق مبني علي رؤية واضحة تنفذ بكل إصرار وتحد بعقول كورية مبتكرة وليست ناقلة.والغريب أن نظام التعليم العام والجامعي في كوريا لا يختلف كثيرا عن مصر, ولكن هناك مجموعة من الاختلافات الجوهرية منها: القيم التربوية التي تحملها المؤسسات التعليمية والمدارس, فالصدق والاخلاص والابداع قواسم ثلاثة لكل مؤسسة مسئولة عن التعليم بشكل مباشر أو غير مباشر. بناء المفاهيم, فمفهوم الهدف, والشعار, والقيم, يتعامل معها الطالب من المرحلة الابتدائية فتتأصل في نفسه. العناية بالطلاب الموهوبين قبل المرحلة الثانوية, وتخصيص ثانويات متخصصة في العلوم والرياضيات والفنون يتجه اليها هؤلاء الطلاب. التكامل بين المؤسسات التعليمية والمؤسسات الخاصة الداعمة, التي تقوم بتوفير منح تعليمية وتقوم بتدريب الطلاب وتوفير فرص العمل اللازمة لهم بعد ذلك. النظرة الشاملة للاستثمار في الانسان, باعتباره هو الاستثمار الحقيقي الذي يحقق التطوير, والتركيز عليه من بداية تعليمه, وإعداده الاعداد الجيد للحياة العملية, وتوفير فرص العمل له, ليكون مواطنا صالحا يستفاد منه في بناء التنمية وتحقيق التطوير المنشود. التخطيط والتركيز علي هدف معين يعمل الجميع بجد لتحقيقه, وفق خطط مدروسة ومحددة زمنيا. القناعة بأهمية التعليم والتركيز عليه, وإذا كانت القناعات أعمق فإن الدعم والبذل على التعليم من كل المسئولين سيكون أكبر. وختاما هل عرفنا الآن لماذا تفوقت كوريا الجنوبية؟ التعليم هو مفتاح التقدم وهو أيضا سبب التخلف.
* نقلاً عن "الإهرام" المصرية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق